محمد علي الحسن

119

المنار في علوم القرآن

أكثر من قراءة ، بل حين بدأ نزول الوحي بدأها بأول كلمة في أول سورة نزلت هي ( اقرأ ) ففيها قراءتان متواتران : الأولى : هي قراءة الجمهور بهمزة ساكنة . والثانية : قراءة أبي جعفر بحذف الهمزة ( اقرا يقرا كسعى يسعى ) ، وإنّه لأمر يسترعي الانتباه أن تكون أول كلمة في أول سورة نزلت كلمة اقرأ وأن يكون القرآن والقراءات مشتقا من مشتقاتها . بعد هذا التمهيد ، أرى أن الحديث عن مصدر القراءات هو الحاسم لكثير من الشبه والأضاليل ، التي يتمسك بها المستشرقون ، والتي كان لأقوال بعض المفسرين وبعض العلماء قدر غير يسير في الإسهام في مد أولئك الملحدين بشيء من أسباب الضلالة ، من غير قصد منهم رحمهم اللّه لما لم يلزموا جانب الحيطة والحذر ، وأقصى غايات الحذر في هذا الأمر الجلل ، فقد أمدوا - من حيث لا يشعرون - من في قلبه مرض واستعداد طبيعي لاتخاذ كل شاردة وواردة من القول صيدا ثمينا ، وفرصة ذهبية للنيل من مقدسات هذه الأمة وقرآنها . أقول : إن المصدر الوحيد للقراءات ، إنما هو الوحي النازل من السماء إلى النبي عليه الصلاة والسلام ، الذي بلّغه بكل دقة ، وبكل حركة إلى أصحابه الكرام ، فكان يقرئهم إياه كما أنزل ، كما روى ابن مسعود أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم كان يقرئهم العشر فلا يجاوزونها إلى عشر أخرى حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل ، فإذا ما علمهم القرآن ، فأتقنوا تلاوته ، أحبّ أن يسمعه منهم ، توثيقا لما سمعوه عنه . روى البخاري ومسلم عن ابن مسعود - رضي اللّه عنه - قال : قال لي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « اقرأ عليّ القرآن » ، فقلت : يا رسول اللّه أقرأ عليك وعليك أنزل ، قال : « إني أحب أن أسمعه من غيري » ، فقرأت عليه سورة النساء . . . حتى إذا جئت إلى هذه الآية : فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً [ النساء : 41 ] « 1 » .

--> ( 1 ) صحيح البخاري . كتاب تفسير القرآن . باب « فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد . الآية » ح ( 4582 ) ، ومسلم في صحيحه ، كتاب صلاة المسافرين وقصرها ، باب فضل استماع القرآن ، وطلب القراءة من حافظ للاستماع ، والبكاء عند القراءة والتدبر 1 / 551 ، ح ( 800 ) ( 247 ) .